أحمد بن ابراهيم النقشبندي

48

شرح الحكم الغوثية

وغطّى نعتك بنعته ، فوصلك إليه بما منه إليك لا بما منك إليه « 1 » .

--> ( 1 ) قال الشيخ ابن عجيبة في شرح هذه الحكمة العطائية : الوصول إلى اللّه هو العلم به وبإحاطته بحيث يفني من لم يكن ، ويبقي من لم يزل ، وهذا لا يكون إلا بعد موت النفوس ، وحط الرؤوس ، وبذل الأرواح ، وبيع الأشباح ، لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [ التوبة : 111 ] ، أي جنة المعارف لأهل الجهاد الأكبر ، وجنة الزخارف لأهل الجهاد الأصغر ، ولقوله عليه السلام : « موتوا قبل أن تموتوا » ، ذكره النقشبندي في شرح الهائية حديثا . وقال في لطائف المنن : لا يدخل على اللّه إلا من بابين : أحدهما : الموت الأكبر وهو الموت الحسي . والثاني : الموت الذي تعنيه هذه الطائفة ، يعني موت النفوس . وقال الششتري رضي الله عنه : لن ينال الوصال من فيه فضله * إن ترد وصلنا فموتك شرط وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه : لا يصل الولي إلى اللّه تعالى ومعه شهوة من شهواته ، أو تدبير من تدبيراته واختيار من اختياراته انتهى . وهذه التصفية ليست هي من فعل العبد وكسبه ، وإنما هي بسابق عناية ربه ، فلو كان العبد لا يصل إلى اللّه تعالى إلا بعد فناء مساوئه ومحو دعاويه من حيث هو هو لم يصل أبدا ، لكن الحق تعالى من كرمه وجوده إذا أراد أن يطوي عنه مسافة البعد أظهر له من أنوار قدسه ونعوت وصفه ما يغيب به العبد عن شهود نفسه ، فحينئذ تفنى المساوي وتمتحق الدعاوي ، فيحصل الوصول ويبلغ المأمول ، بما من اللّه إلى العبد من سابق العناية والوداد ، لا بما من العبد إلى اللّه من الكد والاجتهاد . وإن شئت قلت : فناء المساوي : هو التطهير من أوصاف البشرية ، وهي الأخلاق المذمومة من حيث هي ، ومحو الدعاوى ، وهو التبري من الحول والقوة ، بحيث لا يرى لنفسه فعلا ولا تركا ولا نقصا ولا كمالا ، وإنما هي غرض لسهام الأقدار تجري عليها أحكام الواحد القهار ، فتحقيق هذين الأمرين على الكمال ، مع وجود النفس كاد أن يكون من المحال ، لكن الحق تعالى لكرمه وجوده إذا رأى منك صدق الطلب وأراد أن يوصلك إليه وصلك إلى وليّ من أوليائه ، وأطلعك على خصوصيته واصطفائه فلزمت الأدب معه ، فما زال يسير